الشيخ محمد علي طه الدرة

160

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وهذا هو الشاهد رقم [ 55 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » . وربما دخل فيه النّساء على سبيل التبع للرّجال ، كما في إرسال الرسل لأقوامهم ؛ إذ إن كل لفظ يا قَوْمِ في القرآن الكريم ، إنما يراد به الرجال ، والنّساء جميعا ، كما هنا ، وهو يذكر ، ويؤنث ، قال تعالى في غير ما آية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ وتأنيثه باعتبار المعنى ، وهو أنّهم أمّة ، وطائفة ، وجماعة ، وسمّوا قوما ؛ لأنهم يقومون مع داعيهم بالشّدائد ، والمتاعب ، إمّا بالمعاونة على كشفها ، وإما بالمضايقة ، والإيذاء إن عارضوا ، وهذا حال أعداء الخير ، والإصلاح في كلّ زمان ومكان . إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ : استغنى بالجمع القليل عن الكثير ، والكثير : « نفوس » ، كما رأيت في الآية رقم [ 9 ] وقد يوضع الجمع الكثير موضع جمع القلّة ، والقليل موضع الكثرة ، ويقال لكلّ من فعل فعلا قبيحا : إنما أسأت إلى نفسك . بِاتِّخاذِكُمُ : أصله : باوتخاذكم ، فقلبت الواو تاء ، وأدغمت في التاء ، فهو مصدر : اتّخذ ، يتّخذ . الأصل : اوتخذ ، يوتخذ ، قلبت الواو فيها تاء ، وأدغمت في التاء . فَتُوبُوا : ارجعوا . وقيل : اعزموا على التوبة . قال سفيان بن عيينة - رضي اللّه عنه - : التوبة نعمة من اللّه أنعم بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم ، وكانت توبة بني إسرائيل القتل . بارِئِكُمْ : خالقكم ، وبينهما فرق ، وذلك : أن البارئ هو المبدع المحدث ، والخالق هو المقدّر ، الناقل من حال إلى حال . فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي : ليقتل بعضكم بعضا ، فقاموا صفين ، وبيدهم الخناجر ، والسيوف ، فقتل بعضهم بعضا ، لا يسأل والد عن ولده ، ولا ولد عن والده ، ولا أخ عن أخيه ، كلّ من استقبله ضربه بالسيف ، وضربه الآخر بمثله . وقيل : أمر من لم يعبد العجل أن يقتل العبدة . روي : أنّ الرجل منهم كان يلقى ابنه ، أو أخاه ، فلم يقدر على المضي لأمر اللّه ، فأرسل اللّه عليهم ضبابة ، أو سحابة ، فجعلوا لا يعرف بعضهم بعضا ، فأخذوا يقتلون من الغداة إلى العشي ، حتى دعا موسى ، وهارون ، فانكشفت السّحابة ، ووضع موسى التوراة التي أتى بها من جبل الطور ، ونزلت توبتهم من السّماء ، وكان القتلى سبعين ألفا ، فكان ذلك شهادة للمقتول ، وتوبة للحيّ . ذلِكُمْ : أي : القتل ، والخضوع لأمر اللّه ، والانقياد لما يريد . خَيْرٌ : أفضل ، وهو أفعل تفضيل ، أصله : أخير ، نقلت حركة الياء إلى الخاء ؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة ، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء ، ومثله قل في : حبّ ، وشرّ اسمي تفضيل ، إذ أصلهما أحبب ، وأشرر ، فنقلت حركة الباء الأولى ، والراء الأولى إلى ما قبلهما ، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما ، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الحاء ، والشّين ، وقد يستعمل خير ، وشر على الأصل ، كقراءة بعضهم قول اللّه تعالى في سورة ( القمر ) : ( سيعلمون غدا من الكذاب الأشرّ ) بفتح الشين ، ونحو قول رؤبة بن العجاج : [ الرجز ] يا قاسم الخيرات وابن الأخير * ما ساسنا مثلك من مؤمّر